الشيخ محمد النهاوندي
82
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
الشمس ، كما أنّ أفق المغرب الأدنى ، فدنا من النبي صلّى اللّه عليه وآله « 1 » . وقيل : إنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله أحبّ أن ، يرى جبرئيل في صورته التي خلق عليها ، وكان صلّى اللّه عليه وآله بجبل حراء ، المسمى بجبل النور في قرب مكة ، فقال جبرئيل : إنّ الأرض لا تسعني ، ولكن انظر إلى السماء ، فطلع له جبرئيل من المشرق ، فسدّ الأرض من المغرب ، وملأ الأفق ، فخرّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كما خرّ موسى في الطور ، فنزل جبرئيل في صور الأدميين ، فضمّه إلى نفسه ، وجعل يمسح الغبار عن وجهه « 2 » . وقيل : إنّ اللّه تعالى نزّل جبرئيل والنبي صلّى اللّه عليه وآله في لقائهما منزلة كبيرين من الناس ، إذا قربا للتعاهد والتعاضد ، ثمّ لمّا كان جبرئيل بالنسبة إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله بمنزلة الرعية إذا أراد أن يبايع السلطان ، فانّه يقرب منه ويمدّ يده ليضعها في كفّ السلطان ، فانّه يقرب منه بقدر الباع ، وهو أقصر من القوسين « 3 » . وقيل : إنّ البعد المقدّر بين النبي صلّى اللّه عليه وآله وجبرئيل هو بعد البشرية عن حقيقة الملكية ، فإنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وإن تنزّه عن نقائص البشرية [ وزال عن الصفات التي تخالف صفات الملك ] من الشهوة والغضب والجهل والبعد عن اللّه وغيرها من الرذائل [ لكن بشريته باقية ] ، وجبرئيل [ وان ترك الكمال واللطف الذي يمنع الرؤية والاحتجاب ، لكن لم يخرج عن كونه ملكا ، فارتفع النبي صلّى اللّه عليه وآله حتى بلغ الأفق الأعلى من البشرية وجبرئيل ] تدلّى إلى الأفق الأدنى من الملكية ، فتقاربا ولم يبق بينهما إلّا [ اختلاف ] حقيقتهما « 4 » . قيل : إنّ معنى الآيات : علّم النبي صلّى اللّه عليه وآله جبرئيل الذي هو كامل القوى للتعليم ، وذو حصافة « 5 » في العقل ، فاستوى محمد صلّى اللّه عليه وآله وتكامل للرسالة ، أو استقام جبرئيل على صورته الأصلية في حال كان محمد صلّى اللّه عليه وآله في الأفق الأعلى من مراتب كمال الانسانية ، وهو مرتبة النبوة ، ثم دنا من جبرئيل وتخلّع بخلعة الرسالة ، ثمّ تدلى إلى امتّه بالرفق واللين « 6 » . عن السجاد عليه السّلام - في رواية - « فتدلّى فنظر في تحته ملكوت الأرض حتى ظنّ أنّه في القرب من الأرض كقاب قوسين أو أدنى » « 7 » . فَأَوْحى اللّه بلا واسطة جبرئيل إِلى عَبْدِهِ محمد ، أو جبرئيل إلى رسول اللّه وعبده ما أَوْحى من عظائم الأمور التي لا تسعها العبائر على الأوّل ، أو ما أوحى اللّه إلى جبرئيل على الثاني . قيل : إنّ ما أوحى هو الصلاة « 8 » .
--> ( 1 ) . تفسير أبي السعود 8 : 155 . ( 2 ) . تفسير أبي السعود 8 : 155 ، تفسير روح البيان 9 : 214 . ( 3 ) . تفسير الرازي 28 : 286 و 287 . ( 4 ) . تفسير الرازي 28 : 287 . ( 5 ) . الحصافة : استحكام العقل وجودة الرأي . ( 6 ) . تفسير الرازي 28 : 286 . ( 7 ) . علل الشرائع : 132 / 1 ، تفسير الصافي 5 : 86 . ( 8 ) . تفسير الرازي 28 : 287 .